أسباب الأزمة التي نعاني تبعاتها متعددة وتمظهراتها اصبحت مكشوفة و معروفة،

طانطاني24 – زينبة بن حمو

أسباب الأزمة التي نعاني تبعاتها متعددة وتمظهراتها اصبحت مكشوفة و معروفة، أولها
استفحال الارتزاقية والوصولية والرغبة الجامحة في الوصول إلى القمة دون استحقاق و دون تعب و دون عمل. من أسبابها كذلك شيوع ثقافة البحث عن الشهرة على حساب كل القيم و المبادىء الأخلاقية بين أغلب الشباب.

ومن تجلياتها المؤسفة منذ بداية الألفية الثالثة فقدان الأحزاب بوصلتها، فقد أصبحت الأيديولوجية و الاختلاف مجرد شعارات فارغة و حبر على ورق. فقبل الألفية الثالثة كان لدينا أحزاب اشتراكية و أحزاب محافظة أحزاب شيوعية و أحزاب ذات طابع مغربي محض لم تتبنى اي ايديولوجية غربية، قبل أن تقرر الالتحاق بركب الليبرالية. كان الانخراط في الأحزاب يتم عن قناعة شخصية و إيمان بايديولوجية تتماشي مع التوجه الشخصي لكل منخرط، الآن صار الانخراط في أغلب الأحيان يقوم على أطماع شخصية. لا أحد يؤمن بالنضال لأجل الدفاع عن حقوق المواطنين أو لأجل بناء بلد ديموقراطي، صار أغلب المنخرطين يتحولون إلى اتباع للقيادة يسبحون بحمدها و يقولون آمين لقراراتها، لا أحد ينتقد أو يوجه أو يعارض إلا من رحم ربي. تحولت القيادات إلى ديكتاتوريات على طريقة “كيم جونغ يان” رئيس كوريا الشمالية، قيادات لا تتقبل النقد البثة، و تقصي كل معارض و تركنه على الرف إن لم يكن مصيره الطرد بتزكية من الأتباع الذي يتحولون إلى أبواق تزين كل قرار للزعيم و تحارب المعارض بكل الأساليب اللأخلاقية.

والأكيد أن هناك من سيخرج ليتهمنا بالتعميم و يحاول أن ينفي التهمة عن نفسه مقدما لنا نماذج و دروس من التاريخ، لكن ذلك لم يعد يجدي بعد أن شهد المغاربة ثلة اليمين تدافع عن الحريات الفردية بعد أن ذاقوا طعم الحرية في شوارع أوروبا و استمتعوا بحلاوة الانعتاق، لم يعد استنكارهم يجدي بعد أن شهد المغاربة تحالفات هجينة جمعت أقصى اليمين و أقصى اليسار في تركيبة واحدة، بعد أن شهد المغاربة مهازل اليسار و هو يدافع و ينافح عن الملاكين الكبار و عن أصحاب الضيعات الكبرى ويتنكر للبروليتاريا و يساهم في ارتكاب مجازر في حق الطبقة المتوسطة. بعد أن شهد المغاربة فضائح المنادين بالمساواة و التوزيع العادل للثروات، يستولون بغير وجه حق، على أملاك الدولة تحت مسميات عدة، فتارة يقدمون أنفسهم كخدام للدولة، و تارة كمستثمرين كبار لأموال لم يكسبوه بعرق الجبين و لم يرثوها عن آبائهم !

لقد شهدنا و نحن جيل المخضرمين الذين عايشوا قيادات الأمس و اليوم، اندحارا و انكماشا للأحزاب بعض أسبابه خارجية عن الأحزاب و بعضها داخلية ذاتية يساءل عنها كل القادة و الزعماء. لقد شهدنا أزمة الأحزاب و شهدنا بأم أعيننا مناضلين شرفاء يتألمون و يتوارون من هول ما أصابهم من تنكر و إقصاء، رأينا مناضلين شرفاء بححت أصواتهم من محاولة إنكار ما يحدث ومحاولة إصلاحه، رأينا أصوات الحق تتحول إلى صوت نشاز يعزف خارج النوتة في سمفونية موسيقية كئيبة و مزعجة أصابتنا بعاهات ديموقراطية و استنزفتنا معنويا و ماديا و ضيعت علينا فرصة اعتماد طاقات و قدرات شباب غيور تقدم نحو الصفوف الأمامية بمجرد أن سمع نداء الوطن، بمجرد ما سمع نداء استغاثة و دعوة للعمل.

إن فرصة التغيير متاحة الآن لأبناء الوطن الأبرار، لكنها تتطلب وعيا شاملا بمواطن الخلل، التي كلفتنا الكثير و أضاعت علينا الكثير من الزمن، ولأجل التغيير ولأجل انخراط الجميع يجب السعي لخلق منصات للتنسيق بين كل الشرفاء في هذا الوطن الآن واليوم قبل غدٍ.
غير أن الحديث عن التغيير دون انخراط تام للأحزاب يبقى شعارا غير قابل للتنزيل، ذلك أن دور الأحزاب في قيادة التغيير محوري و هام، بل يكاد يكون التغيير الذي نرومه مستحيلا بدونها. لذلك آن الأوان لتنظر الأحزاب في أحوالها و تتدارك ما يمكن تداركه لإعادة الثقة في العمل الحزبي، و لتكون قادرة على استقطاب الشباب الفاعل من كلا الجنسين، أو يلزم البحث عن بدائل و تأسيس تنظيمات جديدة تقطع مع الريع و تفسح المجال أمام نخب تؤمن بالعطاء بدون مقابل، تؤمن بالتطوع و النضال لأجل الصالح العام. تؤمن بأن الديموقراطية تبدأ من داخل التنظيمات وليس من خارجها، نحتاج وجوها جديدة تعيد لنا الأمل، تعيد لنا الثقة، تعيد لنا الرغبة في البناء.
فحيا على العمل !.

%d مدونون معجبون بهذه: